محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
888
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
عشر رجلا من أصحاب النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - عن الرجل يولي عن امرأة وكلّهم يقولون : ليس عليه شيء حتّى يمضي أربعة أشهر ؛ فيوقف ؛ فإن فاء وإلّا طلّق . الأسرار قال الذين يفيئون إلى ظلّ اللّه وأمره : إنّ الإيلاء تلو اليمين باللّه وشريكها في وجوب الكفّارة ، يكفّر الحنث في اليمين ويكفّر الذنب في الإيلاء ؛ والطلاق تلو الإيلاء ؛ وكما أنّ اليمين باللّه حاملة على فعل وقول أو مانعة من فعل وقول ، كذلك الإيلاء من النساء حامل على فعل التربّص أو مانع من فعل الوقاع ؛ وكما يجب التربّص على المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا وهي عدّة الوفاة ، كذلك يجب التربّص على المولي وهو الزوج أربعة أشهر وهي مدّة الإيلاء ، إذ قد تربّص الزوج أربعة أشهر حتّى استعدّ المزاج لقبول النفس الإنسانية وحصل الازدواج بين النفس والبدن ؛ كذلك إذا فارق الزوج زوجته إمّا بالإيلاء وترك المباشرة وإمّا بالموت الفارق بين الزوجين أربعة أشهر ، قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً والعلّة في الإيلاء والوفاة واحدة والحكم واحد . وسرّ آخر : الإيلاء يمين يمنع الزوج عن المباشرة ، وقد فرض اللّه تعالى لها مدّة معلومة أمكن فيها رجوع الرجل إلى زوجته تزول بها سأمته عنها ، ويتجدّد له بها شوقه إليها ، ويمكن فيها صبرها عنه ، وإذا جاوز المدّة فلا وجه إلّا الفراق ، فقد حقّت السأمة منه ونفد الصبر والتربّص منها ؛ ووزان ذلك في الأقوال العلمية الامتناع من الإرشاد مدّة معلومة لتزول بها سأمة المرشد عن الإرشاد ، ويحدث بها قوّة المتعلّم عن الاسترشاد ، وكذلك الشيخ والمريد في رياضته وتقويمه وتزكيته ، وعليه قصّة موسى والخضر - عليهما السلام - في الصبر على ما لا يعلم حتّى يعلم ؛ وقد قال الصادق - رضوان اللّه وسلامه عليه - : « إذا جاءك السائل ففجعه ؛ فإن أبى عليك ففجعه ؛ فإن أبى فحرام عليك أن تفجعه » وقد آلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من نسائه شهرا فحرّمهنّ عن نفسه حتّى نزل قوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ .